جلال الدين السيوطي
75
الإتقان في علوم القرآن
فإن قلت : عدم ذكرك المساواة في الترجمة لما ذا ؟ هل هو لرجحان نفيها أو عدم قبولها ، أو لأمر غير ذلك ؟ قلت : لهما ، ولأمر ثالث ، وهو : أنّ المساواة لا تكاد توجد ، خصوصا في القرآن ، وقد مثّل لها في « التلخيص » « 1 » بقوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] . وفي « الإيضاح » بقوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا [ الأنعام : 68 ] . وتعقّب : بأنّ في الآية الثانية حذف موصوف الَّذِينَ ، وفي الأولى إطناب بلفظ السَّيِّئِ لأنّ المكر لا يكون إلّا سيئا ، وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرّغ ، أي : بأحد ، وبالقصر في الاستثناء ، وبكونها حاثّة على كفّ الأذى عن جميع الناس ، محذّرة عن جميع ما يؤدّي إليه ، وبأنّ تقديرها يضرّ بصاحبه مضرّة بليغة ، فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعيّة الواقعة على سبيل التمثيليّة ، لأن ( يحيق ) بمعنى ( يحيط ) ، فلا يستعمل إلّا في الأجسام . تنبيه الإيجاز والاختصار بمعنى واحد ، كما يؤخذ من « المفتاح » ، وصرّح به الطيبيّ . وقال بعضهم : الاختصار خاص بحذف الجمل فقط ، بخلاف الإيجاز قال الشيخ بهاء الدين : وليس بشيء . والإطناب : قيل : بمعنى الإسهاب ، والحقّ أنه أخصّ منه ، فإنّ الإسهاب : التطويل لفائدة أو لا لفائدة ، كما ذكره التنوخيّ وغيره . فصل الإيجاز قسمان : إيجاز قصر ، وإيجاز حذف . فالأوّل : هو الوجيز بلفظه ، قال الشيخ بهاء الدين : الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف ، وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر . وقال بعضهم : إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ . وقال آخر : هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقلّ من القدر المعهود عادة . وسبب حسنه : أنّه يدلّ على التمكّن في الفصاحة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوتيت جوامع
--> ( 1 ) التلخيص ص 213 .